Maecenas nec odio et ante tincidunt

خصائص شخصية المُدمِن

$41

خصائص شخصية المُدمِن

تعرَّضنا آنفاً للعوامل التي قد تدفع الشخص إلى السقوط في مستنقع الإدمان، فوجدنا أن الشخص قد يُدمِن لتطبيب الذات والتخلُّص من المشاعر الاكتئابية، إلا أن هذه المشاعر تتحوَّل إلى اكتئابٍ حادٍ مع انتهاء تأثير المُخدِّر، مما يدفعه – أي المُدمِن – إلى زيادة الجرعة المتعاطاة إلى أن يصل إلى حدود التسمُّم، كما أنه قد يُدمِن للتغلُّب على مشكلةٍ جنسيةٍ، إلا أنه مع استمرار التعاطي يفقد الرغبة وتتدهور قدرته الجنسية، وإذا تعاطى ليتجنب مشاكله الاجتماعية أو الأُسرية فإن تلك المشاكل تتفاقم إلى أن تصبح واقعاً يصعب التعايش معه فيكون الإغراق في الإدمان بعالمه الخيالي بعيداً عن الواقع. وإذا كان التعاطي محاولة لتحقيق السعادة أو إثبات الذات؛ فإن المُدمِن يجد النشوة والسعادة لكنها تكون مؤقتةً سرعان ما تزول ليجد نفسه وجهاً لوجه مع واقعه المرير، كما يجد ذاتَه التي سعى إلى إثباتها قد أصبحت منفيةً يلفظُها المجتمع فيصبح فريسةً لحبسٍ انفرادي خارجَ نسيج المجتمع.

وبهذا يصبح المُدمِن غريقاً في حالةٍ من اليأس، فيندفعُ دون أدنى تفكيرٍ نحو كل ما هو مضادٌ للقانون والمجتمع، فيصبح طريداً للعدالة والشرطة، والذنب والعار، ولهذا يبدأ المُدمِن – لاشعورياً – في تحصين نفسه ضدَّ انتقادات الآخرين ومحاولاتِهم في إصلاحه، بل في تحصين نفسه المريضة ضد الجزء المتبقي من نفسه السويَّة، ويتبدى ذلك التحصُّن في عددٍ من الخصائص التي تتصف بها شخصية المُدمِن، تُسمَّى – وفقاً للتحليل النفسي –الحِيَل النفسية الدفاعية اللاشعورية:

 

1.الإنكار:

معظم المدمنين لا يرون في إدمانهم مشكلة، بل ينكرونه من الأساس، ويرجع ذلك لغياب الاستبصار كُليَّةً أو بنسبةٍ كبيرةٍ. وترتبط تلك الحِيلة بخاصيةٍ في شخصية المدمن وهي أنه “إخباري” بمعنى  أنه كثير الكذب، مراوغ، لديه القدرة على المجادلة وعرض حججٍ تبدو مُقنِّعة وإن كانت غير منطقية.

 

2.التبرير:

دائماً ما يجد المدمن مبرراً لسلوكه الإدماني، ومعه يُخفِّف من وطأة اللوم الواقع عليه من الآخرين وربما الواقع عليه من نفسه، فقد يُبرِّر المدمن إدمانَه بشعورِه بالاكتئاب، أو عدم قدرة المحيطين به على فهمه، أو بأنه يتعاطى لتسكين آلامه الجسدية أو النفسية وتخفيفها.

 

3.اللَّوم:

دائماً ما يجد المدمن مَن يُسقِط عليه انحرافه السلوكي، حيث يُلقي باللوم عليه باعتبار أنه السبب

الرئيس في إدمانه، وكأنه يتحجج بأن: قسوة أبيه هي سبب إدمانه، أو أن إهمال أمه له وتمييزها بينه وبين إخوته هو السبب، أو أن زوجته كثيرة المطالب هي مشكلتُه الكبرى، ويسعى إلى نسيانها بالإدمان. 4.الإزاحة:

يعمل المدمن على نقل الاهتمام بمشكلة تعاطيه إلى مشكلةٍ أخرى، بحيث ينصبُّ اهتمام المحيطين به عليها، ويتَّبع من أجل تحقيق ذلك أسلوبَ المراوغة والمناورة، فمثلاً بعد أن يوافق على خضوعه للعلاج النفسي يبدأ في المراوغة فيرفض الذهاب إلى المعالج لكونه شخصاً غريباً لا ينبغي أن يطَّلع على أسراره لأنه قد يستغلها ضده أو ضد أُسرته.

 

5.التفاؤل المُفْرِط:

يُفْرِط المدمن في التفاؤل ويَغرَق في التمني بشكل تواكليٍ كاملٍ، فهو يرفض بذل أيِّ جهدٍ لتحقيق ما يتمنى، ويوهِم نفسَه بأنَّ كل ما يتمناه سيتحقق لمجرد أنه تمناه، فمثلاً إذا دار بينه وبين شخصٍ ما حوارٌ حول تعاطيه فقد ينتهي الحوار بإظهار الاقتناع التام بضرورة التوقُّف عن التعاطي، بل إنه يُعطي العهود الغلاظ بأنه سيتوقف منذ هذه اللحظة عن التعاطي، ويبدو الموقف كله مشهداً درامياً مبتذلاً، حيث تصل نشوة الانتصار ذروتَها عند كلا الطرفين، فالشخص الذي يَحُث المدمن على الإقلاع يُصدِّقه، والمدمن يُصدِّق نفسه، فيشعر وكأنه قد أقلع فعلياً عن التعاطي.

 

6.وهم التفرُّد:

من أهم ما يُلاحَظ على المدمن اعتقادُه بتفرُّده واختلافه عن الآخرين، ويساعده ذلك على فصل نفسه عن المجتمع بنُظِمه وقيَّمه، لذا يَشعُر المدمن بأن أفكاره وثقافته مختلفة عن الآخرين، وأن ما ينطبق عليهم لا ينطبق عليه، ما يزيد من انغلاقه وتشرنُقه على نفسه ورفضه لأيِّ مساعدة.

 

7.التَودُّد والمشاعر الزائفة:

يُجيد المدمن التَلّون العاطفي، حيث يستخدمه كوسيلة تَسوليَّة، ويتضح ذلك من خلال تَودُّده – غير المبرَّر والمبالَغ فيه – للآخرين، وقد يُساءُ فهم هذا التودُّد بأنه احتياجٌ عاطفيٌ، أي أن المدمن يحتاج إلى التقبُّل والدعم من الآخرين، في حين أن هذا التَلّون العاطفي والتَودُّد والمشاعر الزائفة وسيلةٌ يُحقِّق بها المدمن مصالحه الخاصة.

 

8.نشر الوقيعة والفتنة:

يسعى المدمن مجتهداً مُستغلَّاً – بشكل سلبي هدَّام – كل قدراته العقلية في إحداث وقيعة بين المحيطين به، خاصةً إن كانوا يمارسون ضغطاً عليه من أجل الإقلاع عن التعاطي، فبإحداث الفرقة بينهم

يُخفِّف من حِدَّة اللوم الواقع عليه بانشغالهم بحل خلافاتهم.

 

9.التناقض:

تُمثِّل حياة المدمن – بل شخصيته ذاتها – مجموعةً من التناقضات الصارخة التي تثير دهشة واستنكار الآخرين، في حين أنها – أي تلك التناقضات – تبدو بالنسبة إليه طبيعيةً جداً، فالمدمن لا يرى أيَّ تناقض في أن يذهب إلى دار العبادة ثم بعد ذلك يذهب إلى جلسة التعاطي.

 

10.التسطيح:

دائماً ما يلجأ المدمن إلى تسطيح وتهوين وتبسيط الأمور، فنجده يتحدث عن الإدمان بكل توابعه وكأنه شيءٌ بسيطٌ. ولهذا السلوك – وفقاً لطريقة تفكير المدمن – هدفان؛ الأول: أن يمنع نفسه من الفهم والاستبصار، وكأنه يُحدِث حالةَ خَدَر للجزء المتبقي من ضميره كإنسان، في حين أن الهدف الثاني: يتمثل في عدم وضع الآخرين أيديَهم على حقيقة أمرِه كمدمن.

 

11.افتعال الغضب:

دائماً ما يُحصِّن المدمن ذاته ضد انتقاد ولوم الآخرين بادعاء وافتعال انفعال الغضب، حيث يعتقد أن التصرفات العنيفة: البدنية كالاعتداء، واللفظية كالسخرية ستُمكِّنه من السيطرة على الآخرين.

 

12.تَوَّهُم القُدرة:

يوهم المدمن نفسه والآخرين بأنه يمتلك قوةً وقدراتٍ خاصةً تعصمه من تأثير المُخدِّر، فنجده يتحدث مؤكداً بأنه يستطيع أن يشرب كمياتٍ كبيرةً من المُخدِّر أو الخمر دون أن يَسْكَر، كما نجده يؤكد أنه لديه القدرة على الامتناع عن التعاطي في الوقت الذي يريده.

 

13.ادِّعاء المثالية:

يوهم المدمن نفسه والآخرين بوهم الكمال، حيث يدَّعي المثالية المُفرِطة، بشكل يتناقض كُلِّية مع طبيعة شخصيته القاصرة وبنيته النفسية المضطربة، فنجده يَنشُد الكمال في كل شيء على الرغم من عدم بذلِه أيَّ جهد لتحقيق ما ينشده، ويمكن تفسير تلك الحيلة من خلال أمرين: الأول: يتمثل في وضع أهداف يستحيل عليه تحقيقها فيكون الفشل الحتمي في تحقيقها مبرراً فلا يتعرَّض المدمن لانتقاد ولَوم الآخرين، في حين أن الأمر الثاني: يتمثل في إسقاطه لاضطرابه على المجتمع والآخرين، بحيث يبدو المجتمع غير مثالي، قاصراً، مشوهاً، خالياً من المثالية.

 

14.ادِّعاء العقلانية والتفكير المنطقي:

المدمن لديه قدرةٌ عاليةٌ على السفسطة (هي الجَدَل غير المثمر الذي يعتمد على التلاعب بالألفاظ والمغالطات المنطقية، وهي كلمة مشتقة من الكلمة اليونانية سوفِست والتي تعني المُغالِط المُتلاعِب بالألفاظ) لذلك نجدُه – خاصةً إن كان قد حصل على قَدْرٍ من الثقافة والعِلم – يتشدَّق بأفكارٍ ونظرياتٍ لا تتصل بالواقع في محاولةٍ للهروب من الحديث عن مشكلته الفعلية.

en_USEnglish
en_USEnglish